رسالة عيد الميلاد المجيد التي وجهها ابينا صاحب الغبطة مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الانطاكي الكلي الطوبى

يسر لنا ان ننقل لكم النص الكامل للرسالة التي وجّهها غبطة أبينا البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي، بمناسبة عيد الميلاد المجيد لعام 2018، باللغة العربية، بعنوان:

“تواضعَ كي يرفعَنا”.

الرقم: 202/2018  , التاريخ: 19/12/2018

ونحن بدورنا مؤمني خورنة مار يوحنا الرسول للسريان الكاثوليك في هولندا نتقبل الايادي وبركة غبطته وان يمنحه الرب نعمة الصحة وموفور العافية
وكل عام وغبطته بالف خير

وفيما يلي نص الرسالة

رسالة عيد الميلاد المجيد 2018

إلى إخوتنا الأجلاء رؤساء الأساقفة والأساقفة الجزيلي الإحترام

وأولادنا الخوارنة والكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات الأفاضل

وجميع أبنائنا وبناتنا المؤمنين المبارَكين بالرب

اللائذين بالكرسي البطريركي الأنطاكي في لبنان وبلاد الشرق وعالم الإنتشار

 

نهديكم البركة الرسولية والمحبّة والدعاء والسلام بالرب يسوع، ملتمسين لكم فيض النِّعَم والبركات:

 

«ܐܶܬܡܰܟܰܟ̣ ܕܰܢܪܺܝܡܰܢ»

“تواضعَ كي يرفعَنا”

 

1. مقدّمة

يسرّنا أن نتقدّم، في مستهلّ رسالتنا، بأجمل التهاني وأطيب الأمنيات الأبوية بمناسبة عيد ميلاد ربّنا يسوع المسيح بالجسد وحلول العام الجديد 2019، إلى جميع إخوتنا وأبنائنا وبناتنا في لبنان وسوريا والعراق والأراضي المقدّسة والأردن ومصر وتركيا وأوروبا وأميركا وأستراليا، سائلين الطفل الإلهي الذي شاء أن يتجسّد بتواضعه كي يخلّصنا ويرفعنا إليه، لينعم عليهم جميعاً بفيضٍ من مواهبه وعطاياه، ليحيوا مع الرب دائماً أبناءً وبناتٍ أحبّاء، بالفرح الروحي الدائم والمحبّة والسلام والأمان.

 

2. التواضع نهج الطفل الإلهي

اختار الله العذراء مريم وهي الممتلئة نعمةً فتاةً متواضعةً ليولد منها “لأنّه نظر إلى تواضع أمته” (لوقا 1 : 48). وعندما حان وقت الميلاد، وكان يوسف قد ذهب من الناصرة إلى بيت لحم، وفي ليلة شتاءٍ باردةٍ، بحث عن مكانٍ للمبيت، فلم يجد. فكان أن ولدت العذراء مريم “ابنها البكر وقمّطته وأضجعته في المذود لأنه لم يكن لهما موضعٌ في المضافة” (لوقا 2 : 7).

وُلِد الطفل الإلهي في مذودٍ حقيرٍ ليعلن نهج التواضع والتجرّد، ففي ظروفٍ مذلّةٍ بشرياً، كان علامةً ناطقةً “لتجرّده” الذي وصفه بولس الرسول في رسالته إلى أهل فيلبي: “هو الذي في صورة الله، لم يعدّ مساواته لله غنيمةً، بل تجرّد من ذاته متّخذاً صورة العبد، وصار على مثال البشر، وظهر في هيئة إنسان، فوضع نفسه وأطاع حتّى الموت، موت الصليب” (فيلبي 2: 6-8). الإله يُخلي ألوهته، ويصير إنساناً مثل كلّ الناس، ويأخذ صورة الخادم من أجل فداء بشريتنا وخلاص العالم.

شكّل المذود دليلاً ساطعاً على تواضع المولود الإلهي ونهج البساطة الذي اعتمده. إنه يدعونا للتشبّه به، لكي نعرف الله وننفتح على البشر أجمعين. وكان المذود حيث الطفل، علامةً معطاةً من الملاك للرعاة (لوقا 2: 12)، علامةَ محبّة الله الذي أخذ ضعفنا وألمنا وهمومنا ومحدوديتنا، لكي يحوّلها إلى قوّة إيمان ورجاء ومحبّة، علامةً لحنان الله المتسامي.

أخلى يسوع نفسه من كلّ مظاهر العظمة والكرامة اللائقة بلاهوته، متواضعاً حتّى الإمّحاء، فعلَّمنا التواضع طريقاً يقودنا إلى الله، إذ قال: “من اتَّضع ارتفع” (لوقا 18: 14). وتحدّث عن نفسه: “تتلمذوا لي فإني وديعٌ ومتواضع القلب، تجدوا راحةً لنفوسكم” (متى 11: 29)، وحثَّنا على عيش التواضع والعمل به: “أمّا وقد عَلِمتُم هذا فطوبى لكم إذا عَمِلتُم به” (يوحنّا 13: 13).

 

3. التواضع سبيلٌ لمعرفة الله وإدراك سرّ حبّه

يتغنّى مار أفرام السرياني بتواضع الرب يسوع في ميلاده، إذ يقول:

«ܡܳܐ ܡܰܟܺܝܟ ܐܰܢ̱ܬ ܡܳܐ ܥܰܙܺܝܙ ܐܰܢ̱ܬ ܐܳܘ ܝܰܠܽܘܕܳܐ܆ ܕܺܝܢܳܟ ܥܰܙܺܝܙ܆ ܚܽܘܒܳܟ ܒܰܣܺܝܡ܆ ܡܰܢܽܘ ܡܶܫܟܰܚ ܕܰܥܠܰܝܟ ܢܩܽܘܡ» (ܡܳܪܝ̱ ܐܰܦܪܶܝܡ: ܡܰܕܪ̈ܳܫܶܐ ܕܒܶܝܬ ܝܰܠܕܳܐ܆ ܝܓ̄: ܘ̄).وترجمته: “ما أعظم تواضعك وما أقدرك أيّها المولود! حكمُكَ عزيزٌ، حبّكَ لذيذٌ، مَن يمكنه أن يُدرككَ؟!” (مار أفرام السرياني، أناشيد الميلاد، 13: 6).

إنّ عيش التواضع هو “التحلّي بمخافة الله ومعرفته، والسير في حضرته، والإتّكال التامّ على النعمة الإلهية التي تقوّينا. فلا نتكلّم بالسوء عن الآخرين ونهتمّ بالخدمة الموكلة إلينا ونشعر بأننا أصغر الصغار… وهنا تكمن قوّتنا!”، على حدّ تعبير قداسة البابا فرنسيس. ومن خلال هذا التواضع “يمكننا أن نكون متنبّهين ويقظين في الصلاة، عاملين في المحبّة ومتهلّلين بالتسبيح!” (من موعظة قداسة البابا فرنسيس خلال القداس في كابيلا القديسة مارتا في الفاتيكان، 29/11/2016).

إنّ الطفل المولود هو ابن الله، الذي أرسله الآب ليعلن حبّه ورحمته اللامتناهيَين للعالم، بشرى فرحٍ عظيمٍ للشعوب في كلّ أمّة ومكان وزمان، وقد أعلنها الملاك لرعاة بيت لحم: “أبشّركم بفرح عظيم، يكون للشعب كلّه: وُلِد لكم اليوم مخلّص في مدينة داود، هو المسيح الرب” (لوقا 2: 10-11). إنّ بشرى فرح الخلاص موجّهة لكلّ إنسان، إلى أيّ دين أو عرق أو لون انتمى. وقد عبّر أشعيا النبي عن ذلك بقوله: “لأنه قد وُلِد لنا ولدٌ وأعطي لنا ابنٌ، فصارت الرئاسة على كتفه، ودعي اسمه عجيباً مشيراً، إلهاً جبّاراً، أبا الأبد، رئيس السلام” (أشعيا 9: 5)، كتعزيةٍ في مآسي الشعب وظلماته. فالرب حاضرٌ على الدوام، إنّه حقاً “عمانوئيل” (أشعيا 7: 14)، أي “الله معنا” (متى 2: 23). لم يعد الله ذاك الخالق المتعالي، الذي لا يمكن تلمُّسه إلا من خلال الخليقة، بل دخل عالمنا، إنه قريب، وهو باقٍ معنا على الدوام: “ها أنا معكم طول الأيّام حتى نهاية العالم” (متى 28، 20).

 

4. التواضع علامة حضور الله في حياتنا

يشير مار أفرام إلى أنّ الرب يسوع بميلاده وحّد طبيعته الإلهية بطبيعتنا الإنسانية، فيقول:

«ܝܰܘܡܳܢܳܐ ܛܶܒܥܰܬ݀ ܢܰܦܫܳܗ̇ ܐܰܠܳܗܽܘܬܳܐ ܒܐ̱ܢܳܫܽܘܬܳܐ܆ ܕܬܶܨܛܰܒܰܬ ܐܳܦ ܐ̱ܢܳܫܽܘܬܳܐ ܒܓܰܘ ܛܰܒܥܳܗ̇ ܕܰܐܠܳܗܽܘܬܳܐ. ܐܶܬܰܝܢ ܕܢܶܚܙܶܝܟ ܐܰܝܟ ܐܰܠܳܗܳܐ܆ ܗܳܐ ܒܰܪܢܳܫܐ ܐܰܢ̱ܬ. ܐܶܬܰܝܢ ܕܢܶܚܙܶܝܟ ܐܰܝܟ ܕܰܠܐ̱ܢܳܫܳܐ܆ ܨܡܰܚ ܠܶܗ ܢܺܝܫܳܐ ܕܰܐܠܳܗܽܘܬܳܟ»(ܡܳܪܝ̱ ܐܰܦܪܶܝܡ܆ ܡܰܕܪ̈ܳܫܶܐ ܕܒܶܝܬ ܝܰܠܕܳܐ܆ ܐ̄: ܨܛ̄ – ܝܓ̄: ܛ̄).وترجمته: “اليوم، طبعت الألوهة ذاتها في البشرية، لكي تتزيّن البشرية بطبع الألوهة. أتينا لنراكَ كإلهٍ، فها أنتَ إنسان. أتينا لنراكَ كإنسانٍ، فها قد شَعّت علامة ُلاهوتك”(أفرام السرياني، أناشيد الميلاد، 1: 99 و13: 9).

بالميلاد، كبرى المعجزات في تاريخ الكون، يمنحنا الرب يسوع الكلمة المتأنّس علامةَ أن نلمسه، طالباً حبّنا واعترافنا ب “أعجوبة التواضع”. كم نودّ نحن البشر أن نضحي علامةً لا تترك سبيلاً للشك بقوّة الله وعظمته. ولكنّ علامته تدعونا إلى الإيمان، إلى الحبّ، وتهبنا الرجاء: هكذا هو الله. يملك الله سلطاناً هو الطيبة، ويدعونا لكي نصبح مثله، كما يذكّرنا قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر. “نضحي مشابهين لله إذا سمحنا لهذه العلامة أن تصوغنا، إذا تعلَّمنا، نحن بالذات، التواضع وبالتالي العظمة الحقّة، وإذا تخلّينا عن العنف واستعملنا فقط سلاح الحقيقة والحبّ” (من موعظة قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر خلال قداس عيد الميلاد في بازيليك القديس بطرس في الفاتيكان، 25/12/2009).

ليتنا نتعلّم من الرب يسوع المسيح التواضع والرحمة، ونفتح له قلوبنا وبيوتنا ونستقبله بفرح فيها، فلا يكون العيد مجرّد مظاهر احتفالية تُلخَّص بالطعام والشراب واللباس، بل اتّحاداً بالمحبّة والإيمان بمن اتّخذ طبيعتنا ليرفعنا، وجاع ليُشبِعنا، وعُلِّق على الصليب ليحمل خطايانا.

 

5. صدى العيد في عالمنا اليوم

إذا كان كلمة الله قد تواضع وتجسّد ليحرّرنا من ربقة الخطيئة، فما بالنا نحن البشر لا ننظر إلى فعل محبّته هذا ونعكسه على تصرّفاتنا وعلاقاتنا ببعضنا البعض، كلٌّ منّا حسب الدعوة التي دُعي إليها، وخاصةً المسؤولين المدنيين عن مصير شعوبنا ودولنا، والذين تولّوا المسؤولية وتبوّأوا مناصبها لخدمة الشعب. فإذا بهم غالباً ينسون الشعب وهمومه ويتلهّون بصغائر الأمور.

فليس من المقبول في لبنان مرور أكثر من ستّة أشهر على إنجاز الإنتخابات النيابية دون أن يتمكّن دولة الرئيس المكلَّف من تشكيل حكومته، رغم اتّفاقه مع فخامة رئيس الجمهورية على العناوين العريضة لهذه الحكومة، فيما الشعب اللبناني يرزح تحت وطأة الأعباء المعيشية اليومية الصعبة التي تهدّد دورة الحياة الإقتصادية في وطننا بالإنهيار التامّ، فضلاً عن التحدّيات والتهديدات الأمنية التي يواجهها لبنان وسط محيط إقليمي يسوده التوتّر الشديد. لذا نرفع الصوت مطالبين جميع المسؤولين أن يتحمّلوا تبعة تقاعسهم وعرقلتهم تشكيل الحكومة وما يترتّب على ذلك من مخاطر جسيمة تطال الوطن برمّته، فيقوموا بإتمام التشكيل في أقرب وقت لتكون الحكومة الجديدة بمثابة هدية عيد الميلاد للوطن وشعبه.

وكما يلاحظ الكثيرون، ها هو عيد ميلاد الرب يسوع يحلّ ثقيلاً على المواطنين الذين، بدل أن يحتفلوا به بالفرح والرجاء الذي لا يخيب، نراهم يعملون ويكدّون للحفاظ على وظائفهم وأعمالهم، كي يؤمّنوا الإحتياجات الأساسية لمنازلهم وعائلاتهم. هذا الوضع يكاد لا يُحتمَل! وتأتي أزمة النزوح لتزيد من معاناة شعبنا، حتّى بتنا أمام صورةٍ قاتمةٍ لا يمكن أن يضيء ظلمتها سوى التمسّك بإيماننا ورجائنا بطفل المذود الإلهي الحامل معه الفرح والطمأـنينة إلى قلوب المؤمنين. وفيما نشكر الدولة اللبنانية بكلّ مكوّناتها على استقبال النازحين من بلادهم في سوريا والعراق رغم المصاعب الإقتصادية التي يعانيها لبنان، نشدّد على ضرورة عودتهم إلى أرضهم ووطنهم من أجل المحافظة على حقوقهم المدنية وعلى حضارتهم وثقافتهم.

وإلى الطفل الإلهي نبتهل كي ينير درب القيّمين على هذا الوطن، فيجعلوا من الإنسان اللبناني أولويّتهم، ومن مصلحة وطنهم، أرضاً وبيئةً واقتصاداً، هدفاً أساسياً لإعادة بناء لبنان وطناً سليماً معافىً، اقتصادياً وبيئياً واجتماعياً.

وما يمرّ على لبنان، لا يختلف كثيراً عمّا تعانيه سوريا منذ أكثر من سبع سنوات، يوم عصفت يد التدمير في الوطن ومؤسّساته، وتشتّت الشعب في أصقاع العالم. ولا يمكننا إلا أن نعبّر عن ارتياحنا للتحسّن الملموس الذي طال معظم المدن والمحافظات السورية، وقد لمسنا الجهود الحثيثة التي تبذلها السلطات الرسمية بالتعاون مع المؤسّسات العامّة والخاصة، من أجل أن يستتبّ الأمان على كامل أرض الوطن، وتتمّ إعادة إعمار ما هدمته يد التطرّف والإرهاب التي عبثت بأمن الوطن وسلامه، فتنهض سوريا من كبوتها، ويرجع إليها من يستطيع من المواطنين الذين اضطرّوا مرغَمين أن يهاجروا. وهكذا تُستَكمَل مسيرة إعادة بناء سوريا، مسيرةٌ انطلقت وملؤها الرجاءلتحقيق ما يستحقّه الشعب السوري الأبيّ.

أما العراق، فقد مرّ عامان على دحر داعش والتكفيريين وتحرير الموصل وسهل نينوى من إرهابهم، وانتخب الشعب مجلساً نيابياً جديداً بدأ بتشكيل الحكومة الجديدة التي يتمّ العمل حالياً على الإنتهاء من تأليفها، وستنتظرها مهامٌ متشعّبةٌ وصعبةٌ، أبرزها توفير الأمان والإستقرار في كامل أنحاء العراق، وخاصةً لشعبنا المسيحي في بغداد والبصرة والموصل وسهل نينوى، حتّى يبقى وجودنا حرّاً وفاعلاً، إذ أنّ دورنا الذي بدأ مع نشأة بلاد الرافدين يجعل منّا نقطة التقاء مختلف مكوّنات الشعب العراقي. وهكذا يعمل الجميع سويةً ويداً بيد لإعادة العراق إلى مصاف الدول الكبيرة الآمنة والمتطوّرة، حيث تتوفّر الحرّية وقبول الآخر واحترامه مهما اختلف في العرق والدين واللغة، ممّا يساهم في عودة كثيرين ممّن أرغمتهم ظروف المعاناة والإضطهادات وأعمال العنف والإقتلاع على مغادرة أرضهم إلى بلاد أخرى.وإنّنا نناشد المسؤولين في الدولة العراقية، وقد التقيناهم مؤخّراً مع إخوتنا بطاركة الشرق الكاثوليك، أن يسعوا بجدٍّ لتثبيت حقوق شعبنا، فتأتي عودته ثابتة ومستمرّة، ويسهم في ترسيخ دعائم الوحدة الوطنية والسلم الأهلي.

أمّا أبناؤنا وبناتنا في الأردن، فيسرّنا أن نعلمهم أنّنا باشرنا إجراءات الإستحصال على اعتراف المملكة الأردنية الهاشمية بطائفتنا ككيان ديني مستقلّ، ما يفعّل وجود كنيستنا في المملكة ونشاطاتها الروحية والثقافية والإجتماعية. وفي هذا الإطار، نجدّد شكرنا للجهود التي يبذلها المسؤولون في المملكة لخدمة أبناء شعبنا المهجَّرين والنازحين القادمين إليها من سوريا والعراق.

كما نتوجّه إلى أبنائنا وبناتنا في الأراضي المقدسة، ونصلّي معهم ليُحلَّ الطفل الإلهي المولود في بيت لحم أمنه وسلامه في تلك الأرض التي تباركت بتجسُّده في سبيل خلاص البشرية. كما نجدّد رفضنا كلّ الممارسات التي تسبّب الصراعات وتبعد الأمل بإحلال السلام في الأراضي المقدسة، ومنها القرار بإعلان القدس عاصمةً لإسرائيل، ونقل سفارات بعض الدول الأجنبية إليها، لما في ذلك من تحدٍّ للإرادة الدولية التي تدعو إلى إنهاء الصراع العربي – الإسرائيلي، وتفعيل حلّ الدولتين، وتأمين حقّ الديانات الثلاث بأماكنها المقدسة.

ونؤكّد تضامننا الكامل مع إخوتنا وأبنائنا المسيحيين في مصر، والذين يتعرّضون لشتّى أنواع التهديدات وأعمال العنف والإرهاب. ونثمّن مواقف الرئيس والحكومة المصرية في العمل على تخفيف وطأة الخطاب الديني المتطرّف، لما فيه خير مصر وأهلها واستقرار مستقبل شعبها.

ونتوجّه إلى أبنائنا وبناتنا في بلاد الإنتشار في أوروبا وأميركا وأستراليا، ونحثّهم جميعاً على التمسّك بالإيمان بالرب يسوع، والإفتخار بكنيستهم وأوطانهم والإخلاص لها أينما كانوا في العالم، وعلى تربية أولادهم على محبّة الله والكنيسة والوطن، غير ناسين ضرورة الحفاظ على تراث آبائهم وأجدادهم في بلاد نشأتهم في الشرق، حتى يكونوا جميعاً على الدوام شهوداً لنور الميلاد وسلامه أينما حلّوا.

تصادف هذا العام الذكرى السبعون لتوقيع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي كان للبنان دورٌ أساسي في صياغته من خلال مقرِّر لجنة الصياغة شارل مالك، الذي انطبعت أفكاره في هذا الإعلان، وهو الذي انفرد بوضع مقدّمته، حيث شدّد على حقوق البشر المتساوية في الحرّية والعدل والسلام. وقد أكّد هذا الإعلان على أنّ البشر يولَدون أحراراً متساوين في الحقوق والواجبات، وفي طليعتها حرّية الضمير والمعتقَد، والتي يضمنها فصل الدين عن السياسة والحياة العامّة. وكم نحتاج في شرقنا المعذَّب لتطبيق مبادئ هذه الشرعة وأحكامها، بدل التطرُّف ورفض الآخر الذي بات شعارَ مختلف المجتمعات ومعظم التيّارات السياسية والدينية.

وضمن الإطار عينه، وجّه قداسة البابا فرنسيس رسالته العامّة لمناسبة اليوم العالمي الثاني والخمسين للسلام لعام 2019 بعنوان “السياسة الجيّدة هي في خدمة السلام”، معتبراً “أنّ المسؤولية السياسية هي لكلّ مواطن، ولا سيّما لمن نال مهمّة الحماية والحكم، وهذه الرسالة تقوم على الحفاظ على الحق وتشجيع الحوار بين روّاد المجتمع وبين الأجيال والثقافات”.

ويتابع قداسته: “عندما يتمُّ احترام الإنسان في حقوقه، يزهر فيه معنى الواجب باحترام حقوق الآخرين، لأنَّ حقوق الإنسان وواجباته تنمّي اليقين بالإنتماء لجماعة واحدة مع الله والآخرين”.

ويختم قداسته رسالته: “إنّنا مدعوون لنحمل السلام ونعلنه كبشرى سارّة لمستقبلٍ يتمُّ فيه اعتبار كلّ كائن حيّ في كرامته وحقوقه”.

وكما في كلّ رسائلنا ومواقفنا السابقة، نعود ونكرّرمطالبتنا بالإفراج عن جميع المخطوفين، وبخاصة مطراني حلب بولس اليازجي ومار غريغوريوس يوحنّا ابراهيم، والمفقودين من كهنة وعلمانيين، ضارعين إلى الطفل الإلهي أن يرحم جميع الشهداء، ويهب الجرحى والمصابين الشفاء العاجل، ويمنح العزاء لكلّ من فُجِعَ بفقد عزيز.

إنّنا نتوجّه بعواطف المحبّة إلى أبنائنا الذين يكابدون آلام الإقتلاع والنزوح والهجرة، من العراق وسوريا، إلى لبنان والأردن وتركيا، وإلى ما وراء البحار والمحيطات. كما نعبّر عن مشاركتنا في معاناة المعوَزين والمهمَّشين والمستضعَفين، سائلين لهم النِّعَم والبركات والتعزيات السماوية.

 

6. خاتمة

أيُّها الرفيع المتسامي طبعاً، يا مَن تركتَ عزَّة لاهوتك وأحببتَ ضعف طبعنا البشريِ لتصير لنا نموذجاً بالتواضع. ما أعجبك يا الله، لقد تأنّستَ لتؤلّه الإنسان، وانحدرتَ إلى أرضنا كي ترفعنا إلى سمائك.

نَضْرَعُ إليك أَيُّها المولود العجيب خاشعين: وشِّحنا بأنوار محبّتك وسموّ التواضع وكمال التجرّد، لكي نعكس هذه الأنوار في العائلة والكنيسة، وفي المجتمع والدولة.

أيّها الطفل الإلهي، هبنا أن ندرك سرّ تجسُّدك، وثبِّت إيماننا بك، وأهِّلنا أن نفرح بعيد ميلادك المجيد، ونسجد لك مع مريم أمّك ويوسف صفيّك، ونمجدّك مع الملائكة، آمين.

 

ܡܫܺܝܚܳܐ ܐܶܬܺܝܠܶܕ… ܗܰܠܶܠܽܘܝܰܗ

  وُلِدَ المسيح! هللويا!

    وفي الختام، نمنحكم أيّها الإخوة والأبناء والبنات الروحيون الأعزّاء، بركتنا الرسولية عربون محبّتنا الأبوية. ولتشملكم جميعاً نعمة الثالوث الأقدس وبركته: الآب والإبن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.

كلّ عام وأنتم بألف خير.

 

صدر عن كرسينا البطريركي في بيروت -لبنان

في اليوم التاسع عشر من شهر كانون الأوّل سنة 2018،

وهي السنة العاشرة لبطريركيتنا

 

اغناطيوس يوسف الثالث يونان

بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي

اللجنة الإعلامية للخورنة

21-12-2018