تقديس وتجديد البيعة

الأب سعدي خضر –

إنّه عيد رأس السنة الطقسيّة يُفتَتَح بأحد تقديس البيعة التي أعلن تأسيسها يسوع المسيح يوم عيد التجديد في أورشليم . إنّ نبذة مختصرة إلى الوراء عن تأريخ وأسباب تأسيس عيد التجديد عند اليهود الذي منه أُخِذَ عيد “تجديد البيعة” تجعل أمامنا أكثر وضوح معنى تأسيس يسوع ” البيعة” أي الكنيسة.
عام 167 ق.م. دنّس الملك أنطيوخوس الهيكل -المقدس والأقداس- بإدخاله الأصنام اليونانيّة وإقامة شعائر العبادة الوثنيّة حتّى عام 164 ق.م. إنتصر الملك يهوذا على جيش أنطيوخوس في معركة عمّاوس فدخلوا الهيكل ليبدأوا بتطهيره وبناء مذبح جديد وآنية جديدة مقدّسة ليقدّموا الذبيحة بحسب الشريعة على مذبح المحرقات الجديد. ومن هذا التأريخ يحتفل اليهود كل عام بـ”يوم التجديد”.
من هذا المنطلق نفهم أن عيد التجديد هذا مرتبط بفترة حياة يسوع بالإنتظار المسيحاني حيث في بشارة الأنجيل (يوحنا 10: 22-42) أراد يسوع في تدابيره الخلاصيّة أن يعلن لليهود الذين أحاطوه أنّ العهد الذي أقامه اللّه معهم لم يكن لتمييزهم عن الشعوب الأخرى، بل ليجعلهم حاملين رسالته إلى جميع الشعوب وإعلان يسوع من خلالهم إلى كافة المسكونة أنّه هو المسيح الذي ينتظرونه ولكن ليس حسب توقّعهم المادي بأن يأتيهم مسيحاً قائداً يخلّصهم من النير الروماني، ولهذا في يوم عيد التجديد كان يسوع يتمشّى في الهيكل ليحيط به اليهود يسألونه :” إلى متى تبقينا حائرين، قل لنا بصراحة هل أنت المسيح؟”
كذلك في (متّى 16: 13-20) يعلن يسوع بناء بيعته عندما أجابه سمعان:”أنت المسيح إبن اللّه الحي” فأجابه يسوع :”طوبى لك يا سمعان بن يونا….. أنت هو بطرس، أي الصخرة، وعلى هذه الصخرة سأبني بيعتي…..” بناءها على فعل إلإيمان الذي لا لحم و لا دم أظهره لبطرس ، إنّما الآب الذي في السموات، ليصبح بهذا كلّ مؤمن ومؤمنة وكافة المؤمنين “الكنيسة”، يحتفلون بيوم تجديد الكنيسة عيد تجديد إيمانهم باللّه وبالكنيسة المقدّسة الواحدة والجامعة.
كلّما نغوص في عمق حياة يسوع نكتشف في بشارة رسالته توصيات عديدة في كلّ مرّة نتأمّل بها، فنجد الجديد فيها دائماً وبغزارة لتثبيت إيماننا. في هذا الأحد الخاص بتقديس الكنيسة وتجديدها نسمع في بشارة إنجيل يوحنّا (10: 26-29) يوم عيد التجديد أنّ يسوع يشير إلى اليهود (ولنا نحن أيضاً) ” لكنّكم لا تؤمنون، لأنّكم لستم من خرافي، خرافي تسمع صوتي، وأنا أعرفها، وهي تتبعني….” وهذا هو الشرط لنكون الكنيسة أن نكون من “خراف المسيح” إذ كيف نصدّق إن لم نكن من خرافه ونسمع صوته في داخلنا بوداعة وسكون ونجيب بالطاعة لإرادته الخلاصيّة لأن خلاصنا هو بالبقاء مع الراعي والأنقياد له بالثقة لأنّنا نعلم أنّ الأمان معه هو يبدّد الخوف من حولنا لنشعر أنّنا لسنا وحيدين في هذا الوجود.
في هذا اليوم الذي نحتفل به في كنائسنا نفكّر ونستعد إلى تلبية رغبة الرب دخوله هياكلنا لتقديسها وتجديدها، حتّى يكتسب عيد التجديد معناه في تجديد عودتنا إلى حقيقة أنّنا خراف في قطيع المسيح ، حقيقة أنّنا أفراد في عائلة تسمّى الكنيسة. أن نكون خرافاً في قطيع الكنيسة بممارسة إيماننا في الكنيسة من خلال الممارسات الدينيّة، لا سيّما القدّاس في يوم الأحد المعروف بيوم الرب.
إحتفالنا بتقديس وتجديد كنيستنا يعني تجديد إيماننا بالكنيسة التي رأسها المسيح وتجديد عهد إنتمائنا لها بالإيمان بكلمة الرب والطاعة لتعليم كنيسته لأنّها مؤتمنة على هذه الكلمة، وهي أمّنا ، عائلتنا ومعلّمتنا، نجدّد ثقتنا برعاتها، نحبّهم، نصلّي من أجلهم ولن نجعل إنتقادنا سبب إرباك للمؤمنين في الرعيّة.